هندسةُ الأرضِ ورسمُ الرُّوح.. حوارُ الإحداثياتِ واللون
بين دقة "جهاز المساحة" ورهافة "قلم الرصاص"، أبحثُ دائماً عن نقطة التوازن التي تربط الواقع بالخيال. أنا خالد عبد الباقي عمر الأمين، أؤمن أن العالم لا يُبنى بالأرقام وحدها، ولا يكتمل بالألوان بمفردها؛ بل في ذلك المزيج الفريد الذي يجعل من المهندس فناناً ومن الفنان مهندساً.
كمهندس مساحة، وظيفتي هي ترويض تضاريس الأرض، من وديان الدمازين إلى جبال كادوقلي وسواحل البحر الأحمر. أقرأُ صمت التربة بلغة الـ GPS، وأحولُ وعورة المسارات إلى إحداثيات دقيقة لا تقبل الخطأ. هي معركة مع المسافات والزوايا، تفرضُ عليَّ انضباطاً عسكرياً وصبراً لا ينفد.
ولكن، حين أضعُ خوذة الميدان جانباً وأمسكُ بأقلام الباستيل، أتحولُ إلى راوٍ لقصص التراث. في مرسمي "باقي آرت"، تصبح الوجوه السودانية الأصيلة هي خريطتي، وتتحول ملامح الإنسان المثقلة بالشموخ إلى مساحات من الظل والنور. الفن بالنسبة لي ليس ترفاً، بل هو "الرفع المساحي" للروح الإنسانية، وتوثيقٌ لهويةٍ لا تموت.
لماذا أجمع بين الميدان والمرسم؟
لأن الهندسة تمنحني الانضباط والقوة التي أستمدها أيضاً من تدريباتي في "بودي ماسترز".
لأن الفن يمنحني الرؤية التي تجعلني أرى الجمال خلف الأرقام الجافة.
لأن التراث، بعبق قهوته وأصالة أهله من الدويم إلى سنار، هو الوقود الذي يحرك ريشتي وقلمي.
في مدونتي هذه، لن تجدوا مجرد تدوينات، بل ستجدون رحلة مهندسٍ يرصد الواقع، وفنانٍ يمنحه الخلود. نحن لا نرسم الحدود فحسب، بل نصنع الجمال الذي يسكن خلفها.
"الهندسة ترسم حدود العالم.. والفن يمنحه المعنى."
بقلم ونشر:
الفنان والمهندس/ خالد عبد الباقي عمر الأمين
تعليقات
إرسال تعليق